السيد عبد الزهراء الحسيني الخطيب

95

مصادر نهج البلاغة وأسانيده

عن القتال ، وكانوا في ذلك على أقسام : فمنهم من دخلت عليه الشبهة برفع المصاحف ، وغلب على ظنه أن أهل الشام لم يفعلوا ذلك خدعة وحيلة ، بل حقا ودعاء إلى الدين وموجب الكتاب ، فرأى أن الاستسلام للحجة أولى من الاصرار على الحرب . ومنهم من كان قد مل الحرب ، وآثر السلم ، فلما رأى شبهة ما يسوغ التعلق بها في رفض المحاربة وحب العافية أخلد إليها . ومنهم من كان يبغض عليا عليه السلام بباطنه ويطيعه بظاهره ، كما يطيع الكثير من الناس السلطان في الظاهر ويبغضه بقلبه ، فلما وجدوا طريقا إلى خذلانه وترك نصرته ، أسرعوا نحوها ، فاجتمع جمهور عسكره عليه ، وطالبوا بالكف وترك القتال ، فامتنع امتناع عالم بالمكيدة ، وقال لهم : إنها حيلة وخديعة ، وإني أعرف بالقوم منكم ، إنهم ليسوا بأصحاب قرآن ولا دين ، قد صحبتهم وعرفتهم صغيرا وكبيرا فعرفت منهم الاعراض عن الدين ، والركون إلى الدنيا ، فلا تراعوا برفع المصاحف ، وصمموا على الحرب ، وقد ملكتموهم فلم يبق منهم الا حشاشة ضعيفة ، وذماء قليل ( 1 ) فأبوا عليه ، وألحوا وأصروا على القعود والخذلان ، وأمروه بالانفاذ إلى المحاربين من أصحابه وعليهم الأشتر ان يأمرهم بالرجوع ، وتهددوه ان لم يفعل باسلامه إلى معاوية ، فأرسل إلى الأشتر يأمره بالرجوع وترك الحرب ، فأبى عليه فقال : كيف ارجع وقد لاحت إمارات الظفر فقولوا له : ليمهلني ساعة واحدة ، ولم يكن علم صورة الحال كيف قد وقعت . فلما عاد إليه الرسول بذلك ، غضبوا ونفروا وشغبوا ، وقالوا : أنفذت إلى الأشتر سرا وباطنا تأمره بالتصميم ، وتنهاه عن الكف ، وان لم

--> ( 1 ) الذماء : بقية الروح في المقتول .